الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور

76

تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )

ومناسبة موقع هذه الآيات هنا أنّ القصة مشتملة على تذكير بنعم اللّه تعالى عليهم وحثّ على الوفاء بما عاقدوا اللّه عليه من الطاعة تمهيدا لطلب امتثالهم . وقدّم موسى - عليه السلام - أمره لبني إسرائيل بحرب الكنعانيين بتذكيرهم بنعمة اللّه عليهم ليهيّئ نفوسهم إلى قبول هذا الأمر العظيم عليهم وليوثقهم بالنصر إن قاتلوا أعداءهم ، فذكر نعمة اللّه عليهم ، وعدّ لهم ثلاث نعم عظيمة : أولاها : أنّ فيهم أنبياء ، ومعنى جعل الأنبياء فيهم فيجوز أن يكون في عمود نسبهم فيما مضى مثل يوسف والأسباط وموسى وهارون ، ويجوز أن يراد جعل في المخاطبين أنبياء ؛ فيحتمل أنّه أراد نفسه ، وذلك بعد موت أخيه هارون ، لأنّ هذه القصّة وقعت بعد موت هارون ؛ فيكون قوله أَنْبِياءَ جمعا أريد به الجنس فاستوى انحصر في فرد يومئذ ، كقوله تعالى يَحْكُمُ بِهَا النَّبِيُّونَ الَّذِينَ أَسْلَمُوا لِلَّذِينَ هادُوا [ المائدة : 44 ] يريد محمدا صلى اللّه عليه وسلّم ، أو أراد من ظهر في زمن موسى من الأنبياء . فقد كانت مريم أخت موسى نبيئة ، كما هو صريح التوراة ( إصحاح 15 من الخروج ) . وكذلك ألداد ومىداد كانا نبيئين في زمن موسى ، كما في التّوراة ( إصحاح 11 سفر العدد ) . وموقع النعمة في إقامة الأنبياء بينهم أنّ في ذلك ضمان الهدى لهم والجري على مراد اللّه تعالى منهم ، وفيه أيضا حسن ذكر لهم بين الأمم وفي تاريخ الأجيال . والثانية : أن جعلهم ملوكا ، وهذا تشبيه بليغ ، أي كالملوك في تصرّفهم في أنفسهم وسلامتهم من العبوديّة الّتي كانت عليهم للقبط ، وجعلهم سادة على الأمم التي مرّوا بها ، من الآموريين ، والعناقيين ، والحشبونيين ، والرفائيين ، والعمالقة ، والكنعانيين ، أو استعمل فعل جَعَلَكُمْ في معنى الاستقبال مثل أَتى أَمْرُ اللَّهِ [ النحل : 1 ] قصدا لتحقيق الخبر ، فيكون الخبر بشارة لهم بما سيكون لهم . والنعمة الثالثة : أنّه آتاهم ما لم يؤت أحدا من العالمين ، وما صدق ( ما ) يجوز أن يكون شيئا واحدا ممّا خصّ اللّه به بني إسرائيل ، ويجوز أن يكون مجموع أشياء إذ آتاهم رزقهم المنّ والسلوى أربعين سنة ، وتولّى تربية نفوسهم بواسطة رسله . وقوله : يا قَوْمِ ادْخُلُوا الْأَرْضَ الْمُقَدَّسَةَ هو الغرض من الخطاب ، فهو كالمقصد بعد المقدّمة ، ولذلك كرّر اللفظ الذي ابتدأ به مقالته وهو النداء ب يا قَوْمِ لزيادة